اسمي أحمد، وأعمل مستشاراً سياسياً رفيع المستوى في أحد الوزارات السيادية. قبل ثلاثة أشهر، كنت على وشك توجيه ضربة استباقية لشبكة تجسس أجنبية كانت تحاول اختراق أنظمتنا الداخلية. لكن المفاجأة أن الخطر لم يأتِ من قراصنة مجهولين، بل من رسالة نصية عادية أرسلتها عبر تطبيق واتساب إلى مساعدي المقرب. كنت أشاركه ملاحظات حساسة للغاية حول توقيت مداهمة أوكار الجواسيس. بعد دقائق فقط، وصلني إشعار من مساعدي يقول: "سيادة المستشار، هل أرسلت لي هذه الرسالة؟" قلت نعم. فقال بلهجة مذعورة: "لقد وصلتني من رقم لا أعرفه، ثم اختفت!" هنا أدركت أن خط الاتصال الخاص بي قد تم اختراقه. الحمد لله أن تلك الرسالة كانت تجريبية، وليست حقيقية. لكن لو كانت تحتوي على أسماء العملاء أو ترددات القنوات السرية، لكانت كارثة وطنية.

في اليوم التالي، اجتمعت بفريق الأمن السيبراني التابع للوزارة. شرحوا لي أن تطبيقات المراسلة العادية مثل واتساب وتليجرام (حتى مع التشفير الافتراضي) ليست آمنة بنسبة 100%، لأن نسخاً من الرسائل قد تبقى على خوادم الشركات، أو قد يتم نسخها من قبل مشغلي الهواتف أو وكالات الاستخبارات الأجنبية. كما أن نقاط الضعف في "النسخ الاحتياطي" السحابي (iCloud أو Google Drive) تسمح بالاطلاع على الرسائل القديمة. طلب مني الفريق استخدام قنوات اتصال مصادق عليها حكومياً، لكن تلك القنوات معقدة وتتطلب أجهزة خاصة لا تتوفر دائماً عندما أكون في مهمة ميدانية.

بحثت بنفسي عن حل بسيط وسريع. وجدت إشارة إلى موقع message.fyi في منتدى تقني متخصص بالأمن. الموقع مختلف تماماً: لا يتطلب تسجيلاً، لا يحتفظ بالسجلات، وكل رسالة تُشفر محلياً في المتصفح باستخدام مفتاح فريد موجود في رابط URL (في جزء الهاش "#" الذي لا يُرسل إلى الخادم). حتى فريق الموقع نفسه لا يمكنه قراءة المحتوى. والأهم: يمكن تعيين حد للقراءة (مرة واحدة فقط) وصلاحية زمنية (تختفي الرسالة بعد ساعة مثلاً).

قررت تجربته بنفسي من هاتفي الشخصي (ليس الهاتف الرسمي المخصص للمراسلات السرية، خوفاً من أن يكون مراقباً). أرسلت رسالة مشفرة تحتوي على جملة "اختبار أمني عاجل" مع كلمة مرور عشوائية، وحددت صلاحية لمدة 10 دقائق. ثم فتحت الرابط من كمبيوتر آخر في غرفة مجاورة. ظهرت الرسالة صحيحة. قمت بتحديث الصفحة، فظهر خطأ 404 "الرسالة غير موجودة". محاولة ثانية من متصفح آخر بنفس الرابط: لا شيء. هذا هو بالضبط ما كنت أبحث عنه: رسالة تنبثق للحظة واحدة ثم تتبخر كأنها لم تكن.

بعد أسبوعين، واجهت موقفاً حرجاً للغاية. كنا على وشك إتمام اتفاق أمني حساس مع دولة صديقة، وتلقيت فجأة مندوباً عن رئيس جهاز مخابرات تلك الدولة يريد إرسال معلومات دقيقة عن مواقع قناصة معادين. المعلومة لا تحتمل التأخير، ولا يمكن إرسالها عبر البريد الإلكتروني الذي تخترقه الاستخبارات المعادية بانتظام، ولا حتى عبر الهاتف المشفر لأن الإشارة ضعيفة في المنطقة التي كنت متواجداً بها. طلب مني المندوب أن أستقبل رسالة نصية عادية على هاتفي. رفضت بشدة. بدلاً من ذلك، أمليت عليه تعليمات استخدام message.fyi من هاتفه (كان لديه اتصال بالإنترنت عن طريق البيانات الخلوية). طلبت منه إنشاء رسالة جديدة، لصق المعلومات فيها، تعيين حد قراءة واحد، إضافة كلمة مرور طويلة (أملاها عليّ صوتياً مع تغيير بعض الأحرف)، ثم إرسال رابط الرسالة إلى بريد إلكتروني مؤقت أنشأته للتو. قمت بالدخول إلى الرابط من هاتفي باستخدام متصفح "بدون حفظ سجل"، أدخلت كلمة المرور، ظهرت المعلومات لمدة خمس ثوانٍ فقط (كانت طويلة بعض الشيء، لكني حفظتها ذهنياً). انتهى الأمر. لا سجل، لا لقطة شاشة (قمت بتعطيل خاصية التصوير من إعدادات الهاتف)، لا أثر.

بعد ثلاث ساعات، علمت من مصدر مزدوج أن خلايا التجسس المعادية كانت تراقب باقات بياناتي وتنقلاتي عبر الأبراج الخلوية. لقد التقطوا حقيقة أنني استقبلت رابطاً من message.fyi، لكنهم لم يتمكنوا من فك تشفير المحتوى لأن جزء الهاش لم يُرسل عبر الشبكة، وكلمة المرور انتقلت عبر اتصال صوتي قصير لم يُسجل. أحد جواسيسهم حاول فتح الرابط من جهاز طرف ثالث، فظهرت له رسالة فارغة لأنه لم يكن بحوزته الجزء # وكلمة المرور. ومحاولته الثانية انتهت برسالة "الرابط منتهي الصلاحية".

ما زلت أذكر يومها كلمة ضابط الاستخبارات الكبير الذي قاد العملية: "سيادة المستشار، لولاك لكانت المعلومات قد تسربت. كيف ضمنت أمنها باستخدام خدمة إنترنت مجانية؟" قلت له مبتسماً: "السر ليس في الموقع نفسه، بل في طريقة استخدامه: رابط لمرة واحدة، كلمة مرور عبر قناة منفصلة، وصلاحية تختفي قبل أن يجد الخصم فرصة للتحليل. message.fyi ليس خادماً، بل هو مجرد وسيط عابر."

منذ ذلك اليوم، أصبحت أوصي جميع المسؤولين الذين أعمل معهم باستخدام message.fyi في الحالات الطارئة عندما لا يتوفر جهاز آمن معتمد. طبعاً، هذا لا يغني عن القنوات الحكومية الرسمية المشفرة تماماً، لكنه أداة ممتازة للمراسلات "التي لا ينبغي أن تترك أثراً"، مثل: مشاركة كلمات مرور لمرة واحدة، إرسال إحداثيات لقاء سري، أو حتى تبادل إشارات تحذير داخلية لا يريد أحد أن يعلم بها.

الآن، أصبحت أتعامل مع message.fyi كجزء من مجموعة أدواتي الأمنية. أحتفظ بقائمة من العناوين المزيفة للوصول إليه (عبر VPN بالطبع)، وأتأكد من أن كلمة مرور كل رسالة يتم إبلاغها شفوياً أو عبر رسالة SMS مشفرة (باستخدام خدمات مؤقتة). هل هو مثالي؟ لا. لكنه أنقذني أكثر من مرة من كوارث وشيكة.

لعل أهم درس تعلمته: في عالم الاستخبارات والتجسس، العدو لا يهاجم الجدران الخرسانية، بل يبحث عن ثغرة صغيرة في سلسلة الاتصال. تطبيقات المراسلة الجماعية هي تلك الثغرة. message.fyi ليس حلاً سحرياً، لكنه جدار متحرك: يظهر للحظة ثم يختفي، تاركاً العدو في حيرة.

هذه قصتي الحقيقية – مع تحفظ اسمي وبعض تفاصيل المهمة لأسباب أمنية وطنية. لكني أردت أن أشاركها كي يعرف الناس أن الحماية الحقيقية للخصوصية ليست معقدة أو مكلفة، بل في أحيان كثينة تكون مجرد رابط بسيط مع كلمة سر تهمس بها لأذن صديقك.

- مُستشار (فضل عدم الكشف عن هويته)